هل لديّ مشروع ترجميّ؟ 🧭
مشيتُ قليلًا في البرد المرير 🧥

اكتب الآن بعد دقائق من إعلان رؤية هلال رمضان 😃
مبارك عليكم الشهر وعساكم تعودونه مع الأهل والأحباب بالصحة والخير والعافية والسعادة 🌜❤️
هل لديّ مشروع ترجميّ؟

مع انتهائي هذا الصباح من قراءة كتاب «Tone» بعد شهرين (شهرين على كتاب من ١١٧ صفحة!) شاركت على ستوري إنستغرام امتعاضي من بطئي في القراءة، والذي أدى إلى انخفاض عدد الكتب التي أقرأها في السنة. لكن حين انتقلت إلى كتاب «The Philosophy of Translation» استوعبت أنَّ هذا البطء ربما مردُّه إلى انشغالي في الترجمة.
ففي مقدمة الكتاب، يقول داميان سيرلز إنَّ قراءة المترجم تختلف عن قراءة غيره من القرّاء. كيف، لا أدري، هذا هو موضوع الكتاب: كيف على المترجم أن يقرأ. لكن أتفهم ما يقول؛ من بعد الترجمة أصبحت قراءتي متمهلة وممعنة في التفاصيل، وقد أقف عند جملة ربع ساعة وأصفن فيها فكريًّا ولغويًّا. سأقرأ الكتاب، وأشاركك تفاصيل أكثر عن مسألة قراءة المترجم.
لكن الشيء الآخر الذي ذكره أنَّ لكل مترجم مشروعًا ترجميًّا يحدد قراءاته وخياراته، تغييرًا يطمح إلى تحقيقه في ذائقة القارى وتوسعة أفقه. مثلًا، يقول داميان إنَّ هدفه من خياراته إظهار أنَّ الروايات الألمانية ممكن أن تكون مرحة، ديزي روكويل تطمح إلى إظهار أنَّ الروايات الهندية لها مكانها في الأدب المكرَّس العالمي.
أفكّر بأمثلة لدينا. أماني فوزي الحبشي ودلال نصرالله ومعاوية عبدالمجيد يطمحون إلى إثراء مكتبة القارئ العربي بروايات من الأدب الإيطالي. يوسف نبيل يطمح إلى كسر دائرة الأدب الروسي المحدودة بالثنائي تولستوي ودويستوفسكي. يارا المصري تثري المكتبة العربية بالأدب الصيني بمختلف صوره. مشروع عبدالوهاب سليمان ترجمة ما كتبه الآخر عن الكويت وتاريخها. وفي العام المنصرم تابعت بإعجاب انشغال دلال نصر الله في مشروع ترجمة الأدب العربي والسعودي إلى مختلف اللغات.
وسألت نفسي: ما المشروع الذي أحمله أنا؟ ما البوصلة التي تحدد خياراتي؟
تذكرت سؤال طارق الخواجي إياي في ندوة في الكويت قبل عام ونيف: «لماذا اخترتِ ترجمة الأعمال النسوية؟» ووقتها أنكرت كما لو أني أنكر تهمة! وأظن أنَّ إجابتي بنبرة دفاعية -يشوبها شيء من الانفعال- مردها أنها كانت أول مرة يصنّف أحدهم خياراتي الترجمية ضمن سياق فكري أو هدف أدبي واضح الملامح. وأتذكر أني قلت شيئًا بما معناه أنَّ وجود روايات مارغريت أتوود وكلير مسعود وأوكتافيا بتلر وفرجينيا وولف وكيت زمبرينو لا يعني أني نسوية، هي نصوص رائعة عرضها عليّ الناشرون (كلها عدا كيت زمبرينو التي كانت اختياري) وأنا أحببت ترجمتها لقيمتها الأدبية في ذاتها لا أكثر ولا أقل.
ما قلته علنًا يومها أنَّ ليست لديّ أجندة نسوية، لكن حقيقةً ما كنت أقوله، وأستوعب ذلك الآن، أنَّ ليست لديّ أجندة أدبية، أنا مترجمة بلا مشروع ترجميّ.
لحظتها خطر على بالي أنَّ وضعي يشبه ما قالته شخصية «تانيا» إلى مساعدتها الشخصية «بورشا» في الموسم الثاني من مسلسل «The White Lotus» والذي ختمته البارحة (وأدركت إني ضيعت وقتي بمشاهدته):
خواؤك الداخليّ يعني أنَّ لا بوصلة لديك، وستجدين نفسك تذهبين في أي اتجاه يدفعك إليه الآخرون.
إذا وضعنا مقولة «تانيا» ونهايتها المأساوية في الاعتبار، فهذا لا يبشّر بخير!
لكني سأعتمر قبعة المحلل النفسي، وأقول ربما ليس لديّ مشروع ترجميّ واضح الملامح، مشروع يتجاوز الذائقة الخاصة، لأنَّ الترجمة ليست الأساس لديّ، بل الكتابة. صحيح لم أكتب سوى روايتين، لكنهما تعبران عن مشروع روائي. حتى تدويناتي في النشرات تعبر عن هوية كتابيَّة تخصني. لكن المشكلة البديهية أني أترجم أكثر مما أكتب، بكثير. ربما الترجمة تمنحني شبكة أمان أرفض التخلي عنها، ربما لهذا كلما تسنى لي حيزٌ من زمن، شغلته فورًا بمشروع ترجمة لكي أؤجل كتابة الرواية.
الصراحة لا أدري. ولا أنكر أنَّ الفكرة أحبطتني إلى حد ما، لكنها في الوقت نفسه فتحت عينيّ.

الكتب لها وظائف أخرى
أقرأ منذ أسبوعين نوفيلا «بيت الورق» للروائي كارلوس ماريا دومينغيث وترجمة محمد الفولي. الرواية كلها عن الكتب، وتبدأ مع جدل حول موت أستاذة جامعية بحادث سيارة أثناء خروجها من المكتبة تحمل كتاب شعر لأميلي ديكنسون. السيارة صدمتها لحظة قراءتها قصيدة على الرصيف، فهل السيارة من قتلتها أم القصيدة؟
صباح البارحة وأنا أعمل، استذكرت نصّـًا من النوفيلا وأنا أرى نم نم جالسة على كتاب عبدالسلام بنعبدالعالي. ولاحظت أنها عادةً لا تقفز إلى سطح مكتبي إلا بوجود كتاب (أو عدة كتب مرصوصة أعلى بعض) لتجلس عليها. فعدت إلى النوفيلا، وهذا هو الاقتباس:
على مر السنين، رأيت كتبًا مصيرها تثبيت ساق طاولة مكسورة، وعرفت منها ما صار مثل الكومود، وما تراصَّ منها بعضه فوق بعض كبرج وفوقه خرقة، فيما استُخدمت قواميس عدة في الكيّ والكبس أكثر من المرات التي فُتحت فيها، وليس قليلًا عدد الكتب التي احتفظت داخلها وهي فوق الأرفف بخطابات ومال وأسرار خفية. لهذا فالبشر قادرون أيضًا على تغيير مصير الكتب.
البشر والقطط أيضًا! 😸
تحديثات سريعة
شاهدت فلم «Conclave»: سينمائيًا الفلم مذهل، لكنه أشبه برواية إثارة سياسية أمريكية اختارت الفاتيكان مسرحًا لها. التويست اللي في الأخير ذكّرني بروايات دان براون. لكن هذا لا ينكر أنَّ رالف فينس أبدع.
شاركت في تحدي رياضي لأول مرة في حياتي، والتحدي يبدأ الغد وينتهي آخر يوم في رمضان.
أطمح ألا أشاهد أكثر من مسلسل واحد في رمضان، صدقًا الدراما العربية في رمضان هدر مرعب للوقت. المسلسل الوحيد اللي لفتني مسلسل «قلبي ومفتاحه»؛ أتصوره رومانسي ولطيف.

هنا أودعك بكل الحب، مع قصيدة سركون بولص «بعد لأي»، والوعد الذي تلقّاه من أحد أبياته:
أحد الأبيات يعدني بالمجيء إذا قمتُ من أجله بخدمة.
قلتُ ما هي، قال أن تخرج فتمشي.
لبستُ عباءتي الليلية وانتعلت خفّي وخرجت فمشيت قليلًا في البرد المرير، ثم عدت إلى الغرفة
ووفى البيتُ بوعده.

تأملات ذاتية في القراءة والكتابة والترجمة، وفي محاولات النضوج بعد سن الأربعين.