محمود درويش في مشمش الأربعين
من يكتب شيئًا يملكه🌹

في الأمسية الشعرية حيث ألقيتُ قصائد مترجمة ليلة الأربعاء ضمن أنشطة بيت الترجمة في رابطة الأدباء الكويتيين، شاركت ملاحظة مرحة عن الشعراء الرجال لكي أكسر رتم إلقاء القصائد. قلت إنَّ الشاعر يحلو شعره بعد الأربعين، وعمومًا نحن النساء نعرف أن الرجل يحلو عادةً بعد الأربعين. هذه الملاحظة كانت كفيلة بإضحاك الجمهور، وتهدئة توتّري.
لكن حقيقةً كنت أعني ما أقول. فأنا غالبًا أقتني المجموعات الكاملة للشعراء والشاعرات. وملاحظتي عبر السنوات، أنَّ الشاعرة بداياتها قوية، وتظل على قوتها حتى النهاية. بينما الشعراء الرجال بدايتهم بالكاد تؤثر فيك، وغالبًا أقرأها بتململ، لكن مع التقدم في العمر تنضج القصائد، إلى أن تصل مرحلةً تخطف فيها أنفاسك.
وحدث أني صباح اليوم، الجمعة، أكملت قراءة آخر مقال لإلياس خوري في كتابه «النكبة المستمرة»، والمقال رثاءٌ لصديقه محمود درويش بعنوان «مات الشاعر». يعدِّد خوري البدايات الشعرية لدى محمود درويش، وأنها حقيقةً ليست بداية واحدة. ومن تلك البدايات، بدايته بعد الأربعين:
يقول النقد إنَّ درويش الناضج، دخل في «مشمش» الأربعين، بكامل اجتهاده الشعري، وأنه وهو ينقّب في «لسان العرب»، ويسافر في القراءة، اكتشف صوته الجديد، ودخل في معادلة الغنائي الذي يتشكَّل في داخل البعد الملحميّ، مقدمًا رؤيا شعريّة فذّة تقوم على تحويل القصائد القصيرة المكثفة إلى فواصل في نسيجٍ ملحميّ يروي المأساة التي تشخصنت.
أما أروع البدايات الشعرية لدى درويش، بنظر إلياس خوري وبنظري، هي بدايته بعد إجراء عمليته الجراحية الأولى في القلب، إذ سيتبعها ملحمته «الجدارية» و«كزهر اللوز أو أبعد» ومرثيته النثرية «في حضرة الغياب» و«أثر الفراشة».
وأنا أقرأ هذا المقال حتى آخره، وأستحضر الذهول الذي عشته وأنا أقرأ تلك الدواوين لمحمود درويش على مر السنوات، تذكرت موضوع نقاش جلسة النقد الشعري التي حضرتها الإثنين ضمن مهرجان القرين الثقافي، حين قال عبدالله الغذامي إنَّ درويش ناثرٌ وليس شاعرًا. لحظة، قبل أن تنفعل كما انفعلت أنا، هذه المقولة هي عنوان لمقالة كتبها الغذامي في عام 2006، وأشاركك منها هذا الاقتباس:
إن ما يكتبه درويش ليس شعرًا كما هو الشعر الذي نتوارثه وليس نثرًا كما هو النثر الذي نتقارؤه، ولكنه خطاب يشبه ذلك الخطاب المسرحي عند عظماء المسرحيين الذين خلصوا المسرح من الشعر وصنعوا له لغة خاصة أتقنها شكسبير وبرناردشو وبراخت. ومحمود درويش صنع للشعر لغة حولته من الشعرية إلى نوع من الخطاب المختلف، فهو ليس فكرًا بمعنى أنه حكم وليس فلسفة بمعنى أنه تحليل منطقي وليس شعرًا بمعنى أنه إيقاع انفعالي، وليس نثرًا بمعنى أنه إقناعي ووصفي، هو ليس أياً من هذه الصفات، ولكنه مع هذا هو فكر وهو فلسفة وهو شعر وهو نثر.
هو كل هذه الخطابات ولكن بصفات أخرى اكتسبها وأكسبها لنصه ولما يزل يكسب النص - كل مرة - صفة أو صفات لم تكن له من قبل.
هذا نثر من نوع خاص، مثلما هو شعر من نوع خاص، ولكي نعطيه حقه في لفت النظر - كل النظر - إلى خصائص هذا الخطاب لا بد أن نحدث الصدمة الثقافية الأولى بأن نقول إن درويش ناثر وليس شاعرًا.
الزمن ما بين المقالة وما بين تكرار الغذامي الجدلية نفسها عشرون عامًا تقريبًا، ولا يزال النقد العربي يجادل نفسه حول توصيف شعر محمود درويش، وإن كان شاعرًا حقًّا أم لا.
لمحات سريعة بمناسبة عيد الحب
فيسبوك مشكورًا ذكرني بصورتي هذه قبل تسع سنوات في عيد الحب، وبخاطري أعرف إيش اللي خلاني آخذ هالصورة العبيطة!

صور آيفون ذكّرت أختي ديمة باليوم الذي وصل فيه دعبول إلى بيتنا قطَّا شريدًا قبل عامين. وهذه الصورة حفّزت النبش في الذكريات، وشاركتنا ديمة سكرين شوت عن صورة دعبول التي نشرتها من خلال حساب في إنستقرام لعلَّ أصحابه يعثرون عليه. وبعدما مرَّت الأيام ولم يطالب فيه أحد، أعلن الحساب: «اللي لقوه تبنوه». ❤️


حساب في تويتر شارك هذه الاقتباس من مسلسل «fleabag» واللي أعتبره أروع نهاية لأروع قصة حب تلفازية. (المسلسل نموذج على عبقرية كتابة السيناريو، وبخاطري أشوف الموسم الثاني للمرة الثالثة.)


هنا أودعك بكل الحب، مع هذا الاقتباس من «في حضرة الغياب» الذي شاركته في إنستغرام في ١٦ يناير ٢٠١٩:
كل ما لا تبلغه يداك الصغيرتان ملكُ يديك الصغيرتين إذا أتقنت التدوين بلا أخطاء. من يكتب شيئًا يملكه. تشم رائحة الوردة من حرف التاء المربوطة كبرعمٍ يتفتَّح. وستتذوق طعم التوت من الجهتين: من التاء المتصلة ومن التاء المفتوحة كراحة اليد.

تأملات ذاتية في القراءة والكتابة والترجمة، وفي محاولات النضوج بعد سن الأربعين.