الكاتبة تحصِّن المترجمة 🛡️
كيف لي ألا أسعد بتأمُّل السحب 🪟⛅️

عودتي «النشطة» إلى فيسبوك الأسبوع الماضي كانت جيدة، وإنْ تذكّرني بأيام حفلات عيد الميلاد التي كنت أحضرها في أيام المدرسة، حيث الأجواء صاخبة ورائعة، وناس تحكي وناس ترقص وناس تاكل وناس تتصور، الكل صديق الكل، وأنا جالسة في الزاوية مستمتعة بمشاهدة البهجة، مع طبق الكيك والكبة على حضني، لا شيء يعكّر متعتي سوى محاولات أم صاحبة الحفلة شَدّي من رسغي إلى ساحة الرقص لأحتفي بمولد ابنتها، بعدها ترمقني بنظرة «خيبة الأمل» على عنادي والتصاقي بالكنبة، وأتصورها تذكّر نفسها بألا تهدر دعوة عليّ العام المقبل فقط لأني الأولى في الصف. وفعلًا لن تهدرها، ولا ألومها الصراحة.
المحاولة الأولى الحقيقية في الدخول إلى «ساحة فيسبوك» وجدتها في منشور عن كتاب مُترجَم صدر حديثًا. الكتاب للشاعرة البولندية فسوافا شيمبورسكا بعنوان «قراءة غير إلزامية» (Non Required Reading)، والمترجمة هي الشاعرة والكاتبة المصرية إيمان مرسال، والشاعرتان غنيتان عن التعريف، واسم كل منهما نار على علم.
المنشور كان لإيمان علي، تشارك فيه غلاف الكتاب مع تعليق على خيبة أملها من سوء التصميم. هنا وجدت فرصة ذهبية سانحة «للرقص» والمشاركة الفعالة، فالتقطت صورة للكتاب لديّ بترجمته الإنجليزية، وشاركته في التعليقات.
في الحقيقة كتبت التعليق مرتين: في المرة الأولى أشرت إلى قراءتي الكتاب بترجمته الإنجليزية، وعن فضولي لقراءته بترجمته العربية لأعرف كيف ترجمت إيمان مرسال الحس الساخر والمَرِح لدى شيمبورسكا، لأني قرأت كتابيْ مرسال الرائعيْن «كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها» و«البحث في أثر عنايات الزيات»، والفرق شاسع بين صوت مرسال وصوت شيمبورسكا. وفكرت، لربما سيكون تساؤلي منطلقًا لحديث جديّ ومثري عن التقاء الأصوات بين المؤلف والمترجم (بناءً على كتاب Tone الذي أقرأه حاليًّا.)
لكن الصراحة بعدما شاركت التعليق الأول ذعرتْ، هل سيُفهَم أني أشكك في قدرة إيمان مرسال؟ فتعوذت من إبليس وحذفت التعليق، وأعدت كتابة تعليق آخر أشارك فيه فقط معلومة قراءتي الكتاب بترجمته الإنجليزية، مع صورة الغلاف.
وتلقيت ردًّا جميلًا من إيمان علي، وضحت فيه أنَّ الترجمة الإنجليزية التي شاركتها هي الترجمة التي ترجمت عنها إيمان مرسال.
وهنا انتبهت: الترجمة هنا عن لغة وسيطة. مدخل إضافي لنقاش مثري في «الساحة»؟
فالترجمة أساسًا بالكاد ترقى إلى عمل إبداعي في عيون الوسط الأدبي، في أفضل أحوالها يُنظَر إليها على أنها كتابة من الدرجة الثانية و«فن وضيع» كما وصفتها كيت بريغز على لسان أستاذها، فما بالك إذا كانت الترجمة هي ترجمة عن ترجمة! النظرة إلى المترجم هنا ستكون دونية أكثر. ليس لأن في الترجمة عن الترجمة إضعافٌ للنص، بل لأنك أيضًا تعتمد على جهد مترجم آخر في الترجمة عن لغة صعبة (مثل البولندية، إذ قرأتُ عن تحديات الترجمة عن تلك اللغة في مقدمات كتب شيمبورسكا بالإنجليزية)، فالمترجم الأول هو من حمل على عاتقه حل التحديات التي واجهها في الترجمة إلى الإنجليزية، لتأتي أنت وتنقلها بشكل أسهل إلى العربية.
لكن أظن أنَّ إيمان مرسال لن تجد من يلقي عليها هذه التهمة جزافًا، ويثير هذه الزوبعة حتى قبل قراءة الكتاب، كما كان سيحدث لو كانت المترجمة غير معروفة أو حتى مترجمة محترفة معروفة، وذلك لأنَّ اسم إيمان مرسال يحميها. ولا أعني هنا اسمها بصفتها مترجمة سبق أن ترجمتْ بنجاح أعمالًا سابقة، بل بصفتها كاتبة وشاعرة ناجحة وحاصلة على جوائز بصفتها كاتبة إبداعية أصيلة .
الكاتبة في إيمان مرسال تحصِّن المترجمة في إيمان مرسال.
هل تجرأتُ على إثارة هذا السؤال في «ساحة فيسبوك»؟ كدت أفعل، لكن سألت نفسي: هل أنا مستعدة للتعامل مع احتمال نكش عش الدبابير؟ الإجابة لا. لذا تعوذت من إبليس، واكتفيت بمشاركة بوست إيمان علي مع تعليق إيجابي صادق مني على أنَّ المترجمة هي إيمان مرسال، وجربت حظي في نكشة بسيطة (مائعة) عن فضولي حول كيفية نقل مرسال الروح المرحة والساخرة في كتابة شيمبورسكا. والحمدلله، محاولتي الخجولة في الرقص عدَّت على خير، وأغلب من في الساحة لم يتنبَّه إليها.


هل تعيد ترجمة أول رواية ترجمتها؟
في جولتي الصباحية على الصحف، وقعت على هذا الخبر حول رواية فرنسية لروائية بلجيكية صدرت في التسعينيات، وتُرجمت إلى الإنجليزية في 1995، ولم تحقق الترجمة أي نجاحٍ يذكر (بالكاد تبيع نسختين أو ثلاثًا في السنة). فجأة، اكتسحت الرواية بترجمتها الإنجليزية قوائم المبيعات والقراءة هذا العام بفضل تك توك!
الرواية هي «I Who Have Never Known Men» للروائية جاكلين هاربمان، والمترجمة روس شوارتز. الرواية من ٢٠٠ صفحة وتنتمي إلى الروايات الدستوبية النسوية مثل «حكاية الجارية» لمارغريت آتوود و«مثل الزارع» لأوكتافيا بتلر. الرَّاوية هي فتاة ضمن أربعين امرأة أسيرة في سرداب تحت الأرض، يحرسهن رجال لا يبادلونهن الحديث مطلقًا. الفتاة هي الأصغر عمرًا بين النساء ولا تتذكر شيئًا من ماضيها ولا تعرف شيئًا عن الحياة خارج الأَسْر، ولا تعرف المعنى الجندري للمرأة والرجل. النساء لا علم لهن بما يجري، ولا يعلمن سبب أسرهن، ونحن القرّاء لا علم لنا بزمن وقوع الرواية، ولا حتى إن كانت تقع أحداثها على كوكب الأرض.
طبعًا يعدّد المقال أسباب نجاح الرواية المفاجئ، أهمها أنَّ موضوعها يناسب الأجواء السياسية الحالية أكثر من فترة صدورها، وأيضًا لأنها رواية قصيرة. لكن للمترجمة روس شوارتز رأي آخر، وهو أنها أعادت ترجمة الرواية في طبعة جديدة.
فهي حين ترجمتها للمرة الأولى كانت مترجمة في بداية طريقها وتفتقر إلى الخبرة، وركزت على إتقان الترجمة عن اللغة الفرنسية، وبالنتيجة منحت الرَّاوية الصغيرة صوتًا سرديًّا متكلفًا ونخبويًا يستحيل لفتاة أميّة لم تتلقَّ أي تعليم في حياتها أن تتكلم به. مع الخبرة، تعلَّمت روس شوارتز، المترجمة الشهيرة الآن والحائزة على جوائز أدبية رفيعة والمسؤولة عن أشهر ورشات الترجمة في بريطانيا، أنَّ مهمتها كانت إيجاد صوت الرَّاوية السردي الإنساني بدل التركيز على لغة النص الفرنسية.
هنا قررت شوارتز إعادة ترجمة الرواية بعد نحو عشرين عامًا من الترجمة الأولى، ومنحت الرَّاوية صوتها الذي وصل إلى القرّاء. للأسف الروائية توفيت في 2012 ولم تشهد نجاح روايتها، مما يذكرني بما قاله عبدالسلام بنعبد العالي:
«فكأن مسعى الترجمة أن تعيد إلى النصّ مخاض ميلاده، فتنفخ فيه الحياة من جديد، وتلبسه حياة أخرى ولغة أخرى.»
تحديث سريع
راسلتني على إنستقرام صديقة غالية وعزيزة على قلبي من عمَّان، أن المكتبة العامة في مؤسسة عبدالحميد شومان تضم عددًا من كتبي، وهذا أسعدني للغاية. 🥹📚

هنا أودعك بكل الحب، مع هذه الترجمة الشعرية من ٢٨ نوفمبر عام ٢٠١٩ لقصيدة «كل شيء سيكون على ما يرام» للشاعر ديريك ماهون، وهذه القصيدة لها معزتها في قلبي لأني قرأتها من كتاب «صيدلية الشعر»، وداوت لحظة انكسار كنت أمر فيها:
كيف لي ألا أسعد بتأمل السحب تصفو من خلف الرّوشن،
الموجة العالية تنعكس على السقف؟
أجل هنالك الموت، هنالك الموت،
لكن لا حاجة بنا للخوض في ذلك.
القصائد تندفق من اليد الحرة
من تلقاء نفسها
القلب اليقظ منبعها الخفي.
الشمس تشرق رغم كل شيء
والمدن البعيدة جميلةٌ ساطعة.
أستلقي هنا في فيضٍ من الضياء
أرقب انبلاج الصبح والسحب الطائرة.
كل شيء..
كل شيءٍ سيكون على ما يرام.

تأملات ذاتية في القراءة والكتابة والترجمة، وفي محاولات النضوج بعد سن الأربعين.