لن تجد اسمي في المشهد الثقافي الأردني 📚

أينما كنتُ، لأكن. 🦋

سنوات وأنا أتحاشى حضور معرض عمَّان الدولي للكتاب في الأردن، إلى أن وافقت أخيرًا (على مضض مبطّن لم أظهره لأمي) على حضور دورته الأخيرة. وما كنت أخشاه وقع بعد خمس دقائق من دخولنا.

بدأت أمي تعرِّف الناشرين الأردنيين إليّ، بدايةً بناشر من دار معروفة في الأردن. توقعتْ أمي أن يتعرَّف إليّ الناشر فورًا، لكن، كما كنت أعرف مسبقًا، أنا مجهولة تمامًا في الأردن، مجهولة في بلدي. وقفنا أمام الناشر الأردني وأشارت أمي إليّ بكل فخر بعدما اشترت تسعة كتب، والناشر يحسب لها السعر الإجمالي، قائلة باللهجة الكويتية "ترى بنتي المترجمة إيمان أسعد! وترى هي أردنية!" رد الناشر بلا مبالاة، متوجهًا إليّ، "إنت مترجمة؟ بالله قولي إيش ترجمتِ؟" ووقفت أعدّد الكتب التي ترجمتها وأنا أتمنى الأرض تبلعني لأني مضطرة لاحتمال موقف لست سعيدة أبدًا بإجباري عليه، ولا يتسنى لي رفضه مخافة أن أضايق أمي.

تخيلت نفسي لحظتها شخصية فاتن حمامة في «دعاء الكروان» وهي تعدد خبراتها في خدمة البيوت السابقة أمام أحمد مظهر، عدا بالطبع أني لم أحظ بفرصة تعدادها أمام أحمد مظهر.😒

الناشر لم يعرف أي كتاب من الكتب التي ترجمتها، رغم وجود عدد منها في جناحه. مد يده وأعطاني كرت دار النشر، واكتفى بالقول "اتصلي على هالرقم إذا بدك تشتغلي معنا." مقياس الغضب وكراهية الذات لديّ كاد ينفجر، لكن ظليت على ابتسامتي المزمومة لإخفاء العض الشديد على نواجذي.

أوكى. صحيح بدأت نشرة اليوم مع إشارتي إلى أني مجهولة تمامًا في الأردن، لكن في الواقع، أول جائزة أدبية نلتها كانت من الأردن. وأول مبلغ مالي تقاضيته مقابل الكتابة كان أيضًا من الأردن.

كان ذاك في عام ٢٠٠٦، بعد تخرجي من ماجستير الدراسات الأمريكية في الجامعة الأردنية. أعلن اتحاد الكتاب الأردنيين عن جائزة مخصصة لأدباء المستقبل، فئة أدب الأطفال. الصراحة، لا أتذكر إنْ كتبت القصة قبل الإعلان عن الجائزة أو بعدها، لكني شاركت مسودة قصة الأطفال "ديمة الصغيرة وشجرة الرمان"، ويقول مطلعها:

في حيّ جميل من أحياء عمّان

بين زهور الجوري وشجر الرمان.

(واضح أنَّ اختياري شجر الرمان معتمد تمامًا على القافية، فأنا في حياتي لم أر شجرة رمّان!)

المهم، نالت القصة المرتبة الثانية، وحضرت التكريم وكل شيء، ونشرت صحيفة الرأي الصورة الجماعية، واستلمت شهادة تقدير. مبلغ المكافأة كان عشرين دينارًا أردنيًّا، ولا أزال محتفظة بورقة العشرين مع الشهادة وأعتز بها. ذاك كان أول اعتراف حقيقي بي ككاتبة. وأيضًا تلك كانت المرة الأولى والأخيرة التي ظهرت فيها أدبيًّا وثقافيًّا في الأردن.

أتفهَّم محاولة أمي الدفع بي إلى المشهد الأردني الثقافي من خلال جولة معرض عمّان لأسباب عدَّة، من ضمنها أنه المشهد الوحيد الذي يتسنى لي فيه الحصول على دعم الدولة وجوائز تشجيعية وتكريم واستضافة في المعرض بصفتي "بنت البلد". وأنا مقتنعة بوجهة نظرها، لكن في الحقيقة لم يعد هذا الواقع الوحيد في المشهد الثقافي العالمي والعربي، والدليل أني أجد صورًا لمؤسسة عبدالحميد شومان الثقافية الأردنية وهي تستضيف رفاقًا لي في مجال الترجمة والرواية من الكويت والدول الخليجية والعربية، أما أنا فمن الواضح أنَّ لا وجود لي على رادار المؤسسة (أو موجودة لكن، لسبب ما، طايحة من عينهم.😑) وفي المقابل، لي مشاركات مميزة ورائعة، على مر سنوات، في الفعاليات الثقافية الكويتية والسعودية والإماراتية.

الأردن بلدي وأنا أحبه وأعزه وفخورة بانتمائي إليه، وأنتظر الخطوة في المستقبل القريب لكي أنتقل فيها إليه وأقيم على أرضه بشكل دائم، وأعرف أني سأزدهر أدبيًّا فيه، ليس هذا ما يقلقني على الإطلاق. لكن ثمة علاقة ملتبسة بيني وبين الأردن، لها جذورها في انهيار علاقتي بأبي، وجذورها في فترة الغزو العراقي وسنوات ما بعد التحرير، وانعكاس هذا الأمر عليّ وأنا طفلة في العاشرة على وشك دخول المراهقة، واختباري تلك الفترة من منظور أبناء الكويتيات. الحقيقة هي أني لم أشعر في حياتي بأني غريبة كما أحسست في ذاك اليوم واتحاد الكتّاب الأردنيين يكرمني على قصة الأطفال.

ربما لهذا السبب، إلى الآن، لم أبذل من جهتي أي جهد في إظهار نفسي في المشهد الثقافي الأردني (مما يفسّر ميلي إلى تفادي فيسبوك والاكتفاء بوجودي فيه كصنم.) وأدرك أنَّ توطيد علاقتي بالأردن لا يحتاج إلى تعمّد الظهور «ورزَّة الوجه» في فعالياته الثقافية، بل يحتاج إلى التصالح، إلى اليوم الذي أزور فيه قبر أبي لأول مرة، أبي الذي مات في الكويت، وأوصى في أنفاسه الأخيرة بأن يُدفَن في عمّان، في وطنه وبين أهله.

شاهد «أين بيت الصديق» بعد قراءة قصائد سهراب

حين شاهدت فلم «أين بيت الصديق» للمخرج الإيراني عباس كيارستمي أول مرة، لم يلفت اهتمامي الإهداء في اللقطة الأولى «إلى سهراب». بعدها بسنوات، سأقتني ديوان الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الإيراني سهراب سپهري بترجمة غسان حمدان.

وأنا أقرأ الديوان ساورني الشك بأنَّ ثمة شيء ليس بغريب في هذه القصائد، وفي الصفحة ٢٩٧ شهقت، لأني عرفت السبب. القصيدة لها علاقة بالفلم.

القصيدة عنوانها «عنوان»، ويستهل مطلعها:

«أين بيت الصديق؟» في الفلق سأل الفارس

مكثت السماء؛

وأهدى العابرُ غصنَ النورَ الذي في شفتيه

لظلمة الرمال.

القصيدة ستجد فيها ملامح من الفلم، لكن لن تعي أنَّ الفلم عبارة عن شعر سهراب إلا إذا قرأت كل قصائده، واطّلعت أيضًا على لوحاته. طبعًا لم أعِ هذا اعتمادًا على التذكّر، بل من إعادة مشاهدتي الفلم مرة أخرى بعد انتهاء قراءتي شعر سهراب. والتجربة مختلفة تمامًا.

مثلًا، هناك اللقطة الشهيرة للريح قبيل نهاية الفلم، وهي تقتحم الغرفة ليلًا. ما أن رأيته، عدت إلى الديوان وتصفحته، ووجدت ضالتي في القصيدة الأخيرة «حتى نهاية الحضور»

ستُفتَح الليلة

في حلمٍ عجيب

باتجاه الكلمات.

وستقول الريح شيئًا

..

وسينهار سقف وهمٍ ما

وسترى العين

وعي نباتٍ حزين.

..

الليلة

سيهزُّ هبوب الصديق

ساق المعنى،

...

وسيطلع الصباح

داخل كلمة الصبح.

أيضًا، حين شاهدت لقطة صعود الصبي التل، ونزوله منه، وهي اللقطة الأشهر للفلم، لفت انتباهي أنَّ المنحدر لا يبدو طبيعيًّا بل حاد الزوايا، أقرب إلى خطوط هندسية.

فعدت إلى ملحق اللوحات نهاية الكتاب، والإشارة إلى مرحلة الرسومات الهندسية التي مر بها سهراب فترةً وجيزة.

إذا حددنا المسار باللون، ألا يبدو لك أن لربما عباس كيارستمي كان يشير إلى المرحلة الهندسية بطريقة أو بأخرى؟

الزهرة في النهاية أيضًا لها مرجعيتها، الشعرية والفنية، لكن سأترك لك متعة البحث عنها. وأترك لك أيضًا أروع قفلة موسيقية في تاريخ السينما لحظة ظهور الزهرة.

                                                     اضغط على الصورة للوصول إلى مقطع اليوتيوب 🌼
اضغط على الصورة للوصول إلى مقطع اليوتيوب 🌼

هنا أودعك بكل الحب، مع صورتي في حفل ثمانية السنوي في الرياض التي أصبحت صورة بروفايلي الجديد في فيسبوك، ومع هذا البيت البديع من سهراب، الذي يجيب عن سؤال «أين بيتي؟»:

أينما كنتُ، لأكن

فالسماءُ ملكي.

والنافذةُ، والفكرُ، والهواءُ، والعشقُ، والأرضُ ملكي.

ماذا يهمُّ

لو أحيانًا،

ينبتُ فطرُ الغربة؟

عصر النضوج
عصر النضوج
كل يوم سبت

تأملات ذاتية في القراءة والكتابة والترجمة، وفي محاولات النضوج بعد سن الأربعين.