فاء فلسطين نون نحيا

الوداع يا كتبي النفيسة القيِّمة 📚

القصيدة التي يستهل بها رفعت العرعير كتاب «غزة تقاوم بالكتابة» ليست قصيدته الشهيرة «إذا كان لا بد أن أموت» كما يسارع البعض إلى الاعتقاد، بل قصيدة أخرى:

 ورغم حكم إسرائيل علينا بالموت

الكرَّة تلو الكرَّة

يهوي على رؤوسنا كما الرصاص المصبوب

يقضم حياتنا قضمةً قضمة

 

يعلق بها كما يعلق البرغوث بهريرة

يُحشَر في حناجرنا لحظة نردُّ «آمين»

على صلوات عجائزنا وشيوخنا

فيصدّ سبل صلواتهم إلى الله

 

سنظل نحلم ونصلي

سنظل نتشبث بالحياة أكثر وأكثر

كل مرة تُقتَلع حياة عزيزٍ علينا قسرًا.

نعيش. نعيش.

نحيا.

ختام القصيدة بالفعل «نحيا» هي ترجمة للجملة «We do» بعد تكرار الجملة «We live» مرتين. في قراءتي الأولى للقصيدة احترت في ترجمتها؛ التكرار الثالث توكيد لمواصلة الحياة، لكن ليس من المنطقي، ولا يمت إلى الجمال الشعري، تكرار «نعيش» للمرة الثالثة.

ثم قرأت القصة الأولى من المجموعة، بعنوان «L for Life» للكاتبة حنان حبشي. في القصة، تحاول البطلة معرفة بقية حكاية كان والدها يرويها عليها قبل النوم وهي طفلة حين اقتحم جنود إسرائيليون البيت. وفي أثناء بحثها عن إجابة، تخبرها عمتها كيف تعلَّم والدها تهجئة «فلسطين»:

P for passion, A for aspiration, L for life, E for existence, S for sanity, T for trust, I for You, N for nation, E for exaltation

طبعًا الترجمة الحرفية هنا غير قابلة للتطبيق، أهمها أنَّ كلمة «فلسطين» لا تتضمن حرف الحاء لكلمة حياة. وبالتالي لا يعقل أن يغدو عنوان القصة «حاء حياة» (وأنا ترجمت العنوان هكذا قبل قراءتي القصة). لكني تذكرت قصيدة رفعت، وأدركت فورًا أن التكرار الثالث ينبغي أن يكون «نحيا»، توكيدًا على أن غزة وأهلها لن يكتفوا فحسب بمواصلة العيش والنجاة، بل سيعيشون حياتهم وأحلامهم وطموحاتهم لأنَّ من حقهم التشبث بالحياة، وهذا التشبث انتصارٌ أمام وحشية الاحتلال الإسرائيلي.

سببٌ آخر أكد لي أن ثمة معنى شخصي في ختام قصيدة الاستهلال بمفردة «نحيا»، وعنوان القصة الأولى «نون نحيا»، وهو أنَّ لهذه القصة تحديدًا مكانتها لدى رفعت العرعير، وحرص على أن يستهل بها المجموعة. تحدث عن ذلك في مقال موسّع عن الكتاب نشره في عام ٢٠١٤ بعنوان «غزة تقاوم بالكتابة: رواية فلسطين» «Gaza Writes Back: Narrating Palestine» - (الرابط على العنوان العربي يأخذك إلى النسخة المترجمة على موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، والرابط على العنوان الإنجليزي يأخذك إلى المقال الأصلي.)

يقول رفعت العرعير في مقاله عن قصة «نون نحيا» (الاقتباس عن ترجمة عبدالرحيم الشيخ):

حنان حبشي هي واحدة من أهم قصص النجاح بالنسبة إليّ. فهذه الفتاة الهادئة التي نادراً ما تحدثت في الصف، والتي لم تكتب أي شيء بالإنجليزية من قبل، فضلاً عن كتابة القصة القصيرة، جاءت بقصة عظيمة مثل "الحاء للحياة". وقصة حنان هي قصتي المفضلة، وقد اخترت أن أبدأ الكتاب بها ليس لأنها ناضجة بشكل لافت فحسب، بل لأن حنان أيضاً، واحدة من الشابات الموهوبات اللواتي لا يحتجن إلّا إلى بعض الدعم والتدريب، وكتابتها قصتها ساعدتها على أن تصير أكثر نضجاً وثقة بنفسها.

حين قرأتُ قصة حنان للمرة الأولى، شعرت بغضب شديد، إذ ما إن جذبتني القصة وشعرت بالتماهي مع الشخصية الرئيسية وصراعها، حتى كانت النهاية مفاجئة وعنيفة. لقد شعرت بالخذلان من طرف الكاتبة، لأنني أردت منها أن تكتب المزيد وتخوض المزيد، لكنني لم أدرك عمق حنان إلّا في وقت لاحق، وذلك خلال جولتنا لأربعة أسابيع في الولايات المتحدة. فالطريقة التي تنتهي بها القصة قبل أوانها، تعكس التجربة التي يجب أن تتحملها البطلة عندما يقوم الجنود الإسرائيليون باقتحام منزلها ويقطعون زمن قصة ما قبل النوم، القصة التي كانت الشخصيات والقراء، على حد سواء، يتوقعون نهايتها. فالقارىء، عبر ما تكشفه القصة، يعاني ما تعانيه الشخصية الخيالية [التي فيها]، وما يحتمله شعب فلسطين يومياً: فراق قسري وفي غير أوانه مع أحلامهم وأحبائهم. هنا، يصبح الألم الخيالي هو ألمنا، ويكون الإحباط من نصيب القراء. وكقراء، ليس في وسعنا إلّا أن نكون جزءاً من الرحلة لإنهاء الألم والعثور على نهايات للقصص التي قاطعتها قوات الاحتلال وقطعتها. 

قصيدة الاستهلال باللغة الإنجليزية
قصيدة الاستهلال باللغة الإنجليزية

أيضًا، من قراءتي هذا المقال، تبيَّن أن قصيدة «إذا كان لا بد أن أموت» موجهة إلى ابنته شيماء، التي كانت تبلغ من العمر خمس سنوات في عام ٢٠٠٨، واستشهدت بعد استشهاد أبيها بأربعة أشهر في الرابع والعشرين من أبريل ٢٠٢٤، استشهدت هي وزوجها وابنها محمد الذي بالكاد كان يبلغ أسابيع من عمره. إذن المخاطَب في القصيدة مؤنث وليس مذكَّر، لكن هذا التخصيص تاه في الترجمة، أو ربما لم يته، بعدما أصبح المخاطَب أبناء غزة جميعهم.

فلسطين في تفاصيل التفاصيل

في رواية «تفصيل ثانوي» للروائية عدنية شبلي يتردد نباح الكلب على مدار أحداث الجزء الأول من الرواية، وكذلك في الجزء الثاني. أدركت وجود رمزيةٍ ما، لكن لم ألتقطها تمامًا. بعدها بأشهر قرأت كتاب «حكاية أخي ووطني» (My Brother My Land) لسامي هرمز وسيرين صوالحة. وفي فصل من الفصول، تستذكر سيرين وجودها مع أخيها ليلًا في شرفة بيتهم، كانت ليلةً هادئة، لكن ما أن سمعا نباح كلبٍ من بعيد أدرك أخوها أنَّ غارة إسرائيلية في طريقها للبحث عنه في بيت عائلته. لم تر سيرين أي مركبات عسكرية على مد النظر، لكن أخوها سارع بمغادرة البيت وجرى باتجاه التلال، وفعلًا بعد دقائق ظهرت مركبات الجيب العسكرية مسرعة من بعيد.

في تفصيل ثانوي آخر، لدى ترجمتي كلمة عدنية شبلي في أثناء مشاركتها في برنامج تكوين الثقافي في الكويت، اكتشفت المفكر والتربوي الفلسطيني خليل السكاكيني من خلال اقتباس عدنية عدة فقرات منه، واقتنيت مذكراته لكي أنقل تلك الفقرات. لم أكن قد سمعت به من قبل (ومن المخجل الاعتراف بذلك)، وسألتها عنه في حواري معها، وسردت علينا ذكرى من طفولتها في المدرسة تأثرًا به.

بعدها بأشهر، التقيت بسيرين صوالحة في الأردن بعدما تعرفت عليها في الكويت أثناء ندوتها وسامي هرمز عن كتاب «حكاية أخي ووطني». كنا في مقهى «فن وشاي» في جبل اللويبدة نحتسي كاستين شاي، وضمن حديثها عن ذكريات طفولتها في كفر راعي - إحدى قرى جنين - روت عليّ حكاية إنشادها نشيد «يا بائع التفاح» على المسرح وهي طفلة في الروضة (الروضة أقيمت في بيت مهجور، نزحت عائلته قسرًا في حرب الـ٦٧). النشيد كتبه خليل السكاكيني، وسألتني «بتعرفيه؟» فأجبتها بكل فخر «أكيد بعرفه.»

نظن أننا نعرف فلسطين، لكن لن نعرفها إلا إذا عرفناها في تفاصيل التفاصيل.

أنا وسيرين في مقهى «فن وشاي»
أنا وسيرين في مقهى «فن وشاي»

هنا أودعك بكل الحب، مع اقتباس من مذكرات خليل السكاكيني عن تهجيره قسرًا من بيته في القدس في نكبة ٤٨، والفقد الذي عاشه في ترك مكتبته الثمينة خلفه:

الوداع يا كتبي النفيسة القيِّمة المختارة، أقول كتبي وأنا أعني أولًا أني لم أرثها عن الآباء والأجداد.. وأعني ثانيًا أني لم أستعرها من الناس كما يفعل بعضهم.. الوداع يا مكتبتي! لست أدري ما حلَّ بك بعد مغادرتنا البلاد، أنهبتِ؟ أحُرقتِ؟ أنقلت معززة مكرمة إلى مكتبة عامة أو خاصة، أصرت إلى دكاكين البقالين يُلَف بأوراقك البصل؟

الوداع يا مكتبتي! لقد كنت ألازمك ليلي ونهاري.

الوداع يا مكتبتي! يعزُّ عليَّ أن أُحرَم منك وقد كنتِ غذائي الروحي.

عصر النضوج
عصر النضوج
كل يوم سبت

تأملات ذاتية في القراءة والكتابة والترجمة، وفي محاولات النضوج بعد سن الأربعين.