جنيَّة الإلهام المتربصة خلف كتفي
حين تخطر فجأةً ببالي 🌞

جنيَّة الإلهام غير صبورة. بمعنى إذا خطرت لك فكرة نص، وحبست هذه الفكرة في جارور مكتبك وأقفلت عليه إلى أن يأتي الوقت المناسب، ستعمد جنيَّة الإلهام إلى دسّ سبابتها وإبهامها الأثيريَّيْن من خرم القفل وسلِّ الفكرة، بينما أنت يا غافلين لكم الله، وستمنحها إلى شخص آخر يقدرّها.
أحيانًا ستغضب من جنية الإلهام حين ترى أنها منحت الفكرة إلى شخص أنت تبغضه، لكن يحدث أحيانًا أن تمنح الفكرة إلى شخص أنت تحبه، وتسعد كثيرًا بأنَّ الفكرة وجدت تجليًّا من تجلياتها على يده.
هذا هو الإحساس الذي راودني (إحساس السعادة أعني) حين مرَّت عليّ قبل أقل من ساعة تغريدة المترجم محمد الفولي عن كتابة الجديد «النص الأصلي: عن الترجمة ومسارات الحياة» ، وعرَّفه على أنه سيرة ترجمية يتناول فيها الترجمة وتقاطعاتها مع حياته إنسانيًّا ومهنيًّا. سعدت بهذه التغريدة لأنَّ المكتبة العربية في حاجة إلى هذه السّيَر. فنحن المترجمون، كما تصفنا كيت زمبرينو، لا نزيد في نظر القارئ عن كوننا المتكلِّم البطني الذي يعطي صوته المشوّه إلى الدمية الخشبية على ركبته، في عرضٍ يثير الريبة لدى القارئ المتململ من الزيف الذي يقرأه، والمدرك أنَّ النص بين يديه لم ينطق الكاتب حقيقةً بأي كلمة فيه، بل صوتٌ غريب يحاول إقناعك أنَّ الدمية الخشبية إنسانٌ حقيقي.

التقيت بمحمد الفولي في لقاء مشترك معه ومع يوسف نبيل وبهاء إيعالي في حلقة من ملتقى «صيدلية الكتب» مع د. ناديا طعمة. لذا لي أن أقول، وبلا ريب، أنَّ محمد الفولي، كما الحال مع يوسف وبهاء، ليسوا مترجمين فحسب، بل أصحاب مشاريع ترجمية وهبوها حياتهم. لهذا أنا متحمسة للغاية لاقتناء الكتاب. إذ سبق وقرأت هذا النوع من السير الترجمية التي كتبها مترجمون، مثل المترجمة الكورية الأمريكية دون مي تشوي والمترجمة البريطانية كيت بريغز، والآن نحن موعودون بسيرة المترجم المصري محمد الفولي.
فن كتابة «السيرة القرائية»
على سيرة كيت زمبرينو، أقرأ حاليًّا كتابها المشترك مع صديقتها الصدوقة صوفيا ساماتار، والذي يحمل عنوان (Tone). الكتاب يندرج تحت تصنيف «السيرة القرائية»، سيرة تجسد التقاطع بين قراءتك الكتب وما تعيشه في حياتك الشخصية (ليست مراجعات ولا ملخصات). التصنيف نفسه يندرج تحته كتاب زمبرينو الأسبق «أن تكتب كما لو كنت ميتًا» الذي ترجمتُه وصدر العام الماضي، ولم يحقق انتشارًا جيدًا لأني «لم أروِّج له بما يكفي في حساباتي😑». (لذا إحساسك في محله، هذه محاولة ترويج!)
ما يميز هذه الصورة من الكتابة المشتركة، أنَّ الكاتبتين القارئتين الصديقتين ذائبتان في كيانٍ واحد تحت مسمى «لجنة التحقيق في أجواء الرواية» (Committee to Investigate Atmosphere). لن تعرف من منهما الساردة، فالضمير المعتمد هو (we)، لكن إن قرأت «أن تكتب كما لو كنت ميتًا» ستخمن دور زمبرينو، لا سيما في فصل التحقيق في أجواء الرواية السيرية الغريبة «حلقات زحل» لزيبالد التي وثَّق فيها نزهة مشي على الأقدام. إن قرأتَ نص زيبالد (وأنا محظوظة بقراءتي إياه) ستستمتع بقراءة هذا الفصل من كتاب (Tone).

ما تسعى إليه القارئتان - في الصفحة التي باتت غرفة التحقيق المشتركة بينهما، وبديلًا عن مقعد الحديقة الذي اعتادتا الجلوس عليه محاطتين بأكوام من دفاتر الاقتباسات وملاحظاتهما حول الكتب قبل أن تستقر كل واحدة منهما في ولاية مختلفة - أن تعرفا كنه الجو السائد في النص.
هذا الجو السائد مرةً يكون طيفًا من من أطياف اللون، ومرةً يكون نبرة سردية، ومرة يكون حالة مزاجية. كلها تصنَّف تحت مفردة (Tone)، مثلًا: «هذه الرواية لونها رمادي» (The tone in this novel is grey). لهذا تعدُّد معاني المفردة واستخداماتها يجعلني محتارة حول ترجمة العنوان إلى العربية في هذه النشرة. أتمنى أن يُترجَم هذا الكتاب الصغير، لأنه قد يجيب عن أسئلة تردني على صندوق رسائلي حول فن القراءة، وكيت زمبرينو ممن يتقنون هذا الفن، وتملك بصيرة فريدة من نوعها في تحليل النصوص وربطها بالواقع المعاش.
ممن يتقنون فن القراءة وأتصورهن يكتبن في السيرة القرائية الروائية صالحة عبيد، من قراءتي مقالاتها وحضوري ندواتها وجلساتنا المشتركة مع الأصدقاء أتصورها تكتب كتابًا يتمتع ببصيرة عالية وتحليلٍ عميق. القارئة الكاتبة إيمان العزوزي، تسلبني بمقالاتها السيريَّة عن القراءة، وتجذبني مَلَكة النسج التي تتمتع بها بين ما تقرأ وما تعيشه. الكاتبة هيفاء القحطاني، في مدونتها «قصاصات»، أيضًا ممن يكتبون تدوينات «السيرة القرائية» بجمالية تعكس شخصيتها.
لذا، يا جنيَّة الإلهام، المتربصة خلف كتفي الآن، لا داعي لسلِّ هذه الفكرة أيضًا من جاروري على غفلةٍ مني. تفضلي، الجارور مفتوح، خذيها وابعثيها إلى أحبائي. ❤️

التقاطع بيني وبين زمبرينو (المشكوك في أمره)
يخطر لي الآن، عن تقاطع الترجمة مع حياتنا، أنّ لربما طريقي في الحياة الواقعية تقاطعت مع حياة كيت زمبرينو قبل ترجمتي كتابها بل حتى قبل كتابتها إياه. ففي الصفحة ٣٠ تتحدث زمبرينو عن حضوها معرض بولا ريغو في متحف أورسي، في نوفمبر ٢٠١٨، لكتابة مقال حول لوحاتها، لكن طفلتها النزقة ذات العامين، المحمولة في عربة أطفال، صعَّبت عليها الأمر.
أنا كنت موجودة في باريس في نوفمبر ذاك العام، أثناء وجود زمبرينو، وحضرت المعرض أيضًا. وطبعًا شهقت كحال المترجمين متى وقعوا على رابطٍ قدريّ بينهم وبين الكتاب، (مع أني حينها كنت قارئة فحسب ولم أعرف أني سأترجمه.) أولًا، أسعدني للغاية، بصفتي مترجمة، تصحيح خطأ الكاتبة، لأن المتحف ليس أورسي بل المتحف المجاور دي أورانجيري، وكتبت هذا التنويه بكل فخر في الهامش.

لكن ما يجعلني أشك أن طريقينا لربما تقاطعا أني أتذكّر وجود امرأة مع طفل في العربة ذاك النهار الذي حضرت فيه المعرض، العربة كانت حمراء، وذاك الطفل كان مزعجًا ولم يسكت عن الصياح، وبالطبع خزّرت عينيّ ورمقت الأم بنظرة لوَّامة.
هل سأشارك هذه الصدفة المشكوك في أمرها مع كيت زمبرينو؟ لا!


المترجم الفوري يخطف الأضواء من كيت زمبرينو وآني إرنو
بعد فوز الروائية آرني إرنو بجائزة نوبل للآداب، أدارت كيت زمبرينو لقاءً حيًّا معها أمام جمهور، وبحضور مترجم فوري جالس إلى جانب الروائية الفرنسية. المترجم الفوري، الأخرس عادةً إما لغياب الميكروفون عنه أو لوجوده خلف الكواليس، خطف في هذا اللقاء الأضواء مع دفاتر ملاحظاته الثلاثة وتقمصه نبرة إرنو في تعبيرها عن أفكارها.
اللقاء يمتد على أكثر من ساعة، إن أردت القفز فورًا إلى نموذج على سطوع المترجم ومحاولته تقمص النبرة (Tone) بصفته «المتكلم البطنيّ»، اضغط على الرابط.
مقال الأسبوع 📝
مقال «الأمومة...رحلتنا غير النمطية» للكاتبة صفية الجفري، وفيه أيضًا تقاطعات بين الحياة والقراءة ❤️.
تحديثات سريعة 🌹
سفر إلى الرياض يوم الاثنين بإذن الله لحضور الاجتماع السنوي في ثمانية 🥳
شاهدت الثلث الأول من فلم «التانغو الأخير في باريس» وانقرفت! لكن تعلمت منه درسًا ترجميًّا سأشاركه في أعداد لاحقة.

هنا أودعك بكل الحب، بلمحة من صباح شعري في ٢٠١٩، مع مقتطف من السونيتة ٢٩ لشكسبير، بصوت جبرا إبراهيم جبرا.❤️
وفيما أنا في هذه الأفكار أكاد أحتقر نفسي
تخطر فجأة أنت ببالي، وإذا بحالي،
كقبَّرةٍ عند انفلاق الصبح، تنطلق
من على كامد الأرض، لتهزِجَ عند أبواب السماء.

تأملات ذاتية في القراءة والكتابة والترجمة، وفي محاولات النضوج بعد سن الأربعين.