جورج وإلياس وبَكْم الأدب

ما الكذبة الأخرى التي ستجبر أحلامك على تصديقها؟ 🤐

منذ دخلت نَمْ نَمْ حياتي قبل عام ونصف وأنا لديّ شكوكي بأنها ليست قطة شارع عادية (وهي شكوك لم أخجل من مشاركتها علنًا مع عائلتي): هي إما تلبُّس لكائن آخر من شركائنا المخفيين في هذا العالم، أو تقمُّص لامرأة عاشت حياة سابقة، ارتكبت مصيبة تتعلَّق بالأمومة، وعقوبتها مواصلة إنجاب الهريرات وفقدانهم دفعة بعد دفعة (عدا ابنتها الناجية الوحيدة من الدفعة الأولى والملتصقة بها.)

أعرف أنَّ حديثي غير منطقي، لكن مكوثي وحيدة أغلب اليوم في محترف الكتابة خارج البيت يشجع العقل على الانزلاق نحو مسارات الخيال في محاولة للفرار من الملل الروحي. أيضًا، اتضح لديّ مدى قدرة قطط الشارع على «بهذلة مكانك» وامتصاص طاقتك متى سمحت لها بالدخول إلى حيّزك، وأنَّ الصورة النمطية للمرأة العانس المحاطة بالقطط، امرأة متهدلة الصدر والكتفين، منحنية الظهر شعثاء الشعر، المهملة في مظهرها وملابسها وقليلًا ما تغادر مسكنها الفوضوي، ليست بالنمطية، بل ثمة حقيقة مرعبة فيها.

لذا قررت بدءًا من الأسبوع الماضي ممارسة وظيفتي عن بعد في مساحات العمل المشتركة، في مبنى مقابل مجمع العاصمة مول، وأترك المحترف لنم نم وعيالها القاطنين في حقيبتي على الدكَّة.

لما تقرر تطلع من الكمفورت زون. 😳
لما تقرر تطلع من الكمفورت زون. 😳
وتقرر بعدها بدقيقة ترجع الكمفورت زون. 😭
وتقرر بعدها بدقيقة ترجع الكمفورت زون. 😭
لما تكتشف خيانة صديقتك الكاتبة اللي تحش فيك بما ليس فيك في نصوصها. 😿
لما تكتشف خيانة صديقتك الكاتبة اللي تحش فيك بما ليس فيك في نصوصها. 😿
وتفكّر بعدها بخطة الانتقام! 😼
وتفكّر بعدها بخطة الانتقام! 😼

بين نجاة الشاعر وإصمات الروائي

في يومي الأول في المساحة المشتركة -نهار السبت الماضي- جمعت القراءة بين نصين: كتاب إلياس خوري «النكبة المستمرة»، ومقال جورج أوريل «بَكْم الأدب» (The Prevention of Literature). المقال من أرشيف «ذ أتلانتك»، وهذا القسم تحديدًا أحبه، لأن ظهور مقالاته على صفحة الموقع أشبه بكبسولة زمنية تفاجئك بمقالات لكتّاب نجحوا التو، أو مراجعات نقدية قاسية لأعمال نعدها الآن كلاسيكية لا تُمَس مثل نقد «أليس في بلاد العجائب». (هنا رابط المقال المتاح مجانًا من مؤسسة أورويل.)

كتب جورج أوريل المقال في مارس ١٩٤٧، وقدّمه محرر الصحيفة بصفته روائيًّا إنجليزيًّا حققت روايته «مزرعة الحيوان» نجاحًا ساحقًا في الخريف الماضي. لم يكن أورويل قد كتب بعد روايته «1984»، لكن إن قرأت المقال ستجد البذرة الفكرية التي انبثق منها هذا العالم الدستوبي المتخيَّل.

ما لفت انتباهي في هذه البذرة وعلق في مخي، قول أورويل:

الشاعر ينجو في النظام التوليتاري، لكن الروائي لا خيار أمامه إلا اثنين: الصمت أو الموت.

يرى أورويل أنَّ النظام التوليتاري الذي جسده نظام ستالين لا يكترث حقًّا بملاحقة الشعراء وقمعهم، وذلك لسببين: الأول، قلة من الناس تكترث لقراءة الشعر أصلًا، لذا لا خشية من التأثير، لا سيما مع ميل الشاعر إلى تخبئة الحقيقة خلف قناع المجاز. والثاني أنَّ مساحة القصيدة «لحظيَّة» وليست «تاريخية» كما الحال مع الرواية. فأنت لا تعرف التاريخ بتفاصيله من قصيدة، لكن لك أن تعرفها من الرواية. وفي النظام التوليتاري، التاريخ ليس ماضيًا حدث وكان، بل سردية يختارها ويكتبها كما يشاء ويمحو بها ما يشاء، لهذا يرى التوليتاري في الرواية أخطر أدوات المقاومة.

من حيث المبدأ أتفق مع أورويل، غير أنَّ أوسب ماندلشتام، الشاعر الروسي الذي تفنَّن نظام ستالين في اضطهاده وتأليب الوسط الثقافي ضده ونفيه إلى أوكرانيا وتجويعه إلى أن مات عام ١٩٣٨ في قطار يقله إلى معسكرات الغولاغ، قد يجد غضاضة في هذه الفكرة الأورويلية عن «نجاة الشاعر».

في مساحة العمل المشتركة برفقة إلياس وجورج.
في مساحة العمل المشتركة برفقة إلياس وجورج.

نعود إلى عنوان مقال أورويل، لماذا اخترت ترجمته «بكم الأدب» بدل «منع الأدب» أو «كبح الأدب»؟ هذا الاختيار يعود إلى قراءتي إلياس خوري، الذي قال في كتابه «النكبة المستمرة»:

بكم الأدب هو جزءٌ من بكم التاريخ، وبكلماتٍ أخرى هو جزءٌ من عدم قدرة الضحيَّة على كتابة الحكاية.

يتحدث خوري هنا عن «إصمات» الصوت الفلسطيني، وبكم اللغة في مواجهة وحشية الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يختلف عن النظام التوليتاري في إعادة كتابة السردية التي يريد بعدما يقتلع منها الماضي، ويحوِّل فيها أساطيره إلى تاريخ حقيقي مكرَّس.

هذا الإصمات تجلَّى في نهاية أول رواية فلسطينية «رجال تحت الشمس» لغسان كنفاني (الرواية الأولى وفقًا لإلياس خوري)، مع الصرخة الأخيرة:

لماذا لم تدقوا جدران الخزَّان؟

هذا الإصمات المتعمَّد للسردية الفلسطينية وذاكرتها وماضيها يأخذ أشكالًا أخرى، منها ما عرفته لأول مرة من خلال قراءتي مقال خوري حين تحدَّث عن «التبييض الأخضر» (Green Washing). ويشير المصطلح إلى محو أثر القرى الفلسطينية التي هُدِمت في سنة ١٩٤٨ عبر زراعة الغابات الكثيفة، ولا كأنها يومًا كانت.

هذا الإصمات هو ما يجعل كل حكاية فلسطينية تُكتَب فعل مقاومة. فعلُ نجاة من المحو.

ملحوظة ترجمية💡

ترجمة العنوان «بكم الأدب» وإن كانت هنا محض مصادفة، لكن في العموم، قراءة كتب ونصوص -مكتوبة أساسًا باللغة العربية- بالتوازي مع النص الذي تترجمه، وتتقاطع معه إما في الموضوع أو السياق التاريخي رافدٌ يمدك بخيارات ما كانت لتخطر على بالك، وتمنح ترجمتك قوة وجمالية لغويّة وفكرية.

هل استمتعت الأسبوع الماضي بمشاهدة فلم «The Fall» في سينما مركز الشيخ جابر الثقافي؟

أوه استمتعت كثير!

اللي علق في مخي من الفلم، ووصفته هذه المراجعة (video essay) التي وجدتها على يوتيوب، أن القصة لا يكتمل عالمها حين تجد راويها فقط، بل حين تجد قارئها (أو في هذه الحالة من يصغي إليها كما في حكايا ألف ليلة وليلة). وأيضًا الفلم هو الخيار الأفضل في حال كنت تمر الآن بعثرة في حياتك، وتحتاج إلى من يذكرك بأن السقوط ليس النهاية.

أختى قالت لي إن المخرج لم يكرر العمل على فلم رائع مثل «The Fall»، وكل شيء من بعده مجرد أفلام عادية بالمقارنة. ربما اكتفى بصنع تحفة سينمائية واحدة، أو أصابه الإحباط بعد التجاهل الأولي للفلم، ولم يتخيَّل تحوّله إلى جوهرة مُقدَّرة بعد سنوات وسنوات.

أوشكت على مشاهدة الفلم قبل شهر على التلفاز في غرفة نومي، في منصة «موبي»، لكني كنت محظوظة بمشاهدته لأول مرة على شاشة السينما، وممتنة لأختى ديمة على العزومة اللي جت في وقتها. 💜

أنا وديمة الجميلة طالعين من السينما، ويا ليتني ما ليست كوت ثقيل فوق بلوزة صوف!
أنا وديمة الجميلة طالعين من السينما، ويا ليتني ما ليست كوت ثقيل فوق بلوزة صوف!

هنا أودعك بكل الحب، بقراءة من ماضي الصباحات الشعرية، مع قصيدة «الأول من يناير ١٩٢٤» للشاعر الروسي أوسب ماندلشتام.

عصر النضوج
عصر النضوج
كل يوم سبت

تأملات ذاتية في القراءة والكتابة والترجمة، وفي محاولات النضوج بعد سن الأربعين.